البيانات الضخمة وانعكاساتها على حقل الرعاية الصحية والخدمات الطبية

كتبها · 10 November, 2015

 أتاح التطوّر التكنولوجيّ المتزايد إمكانية تحليل الكمّ الهائل من المعلومات المتوفرة على الإنترنت – أو ما يُعرف صحة بمصطلح “البيانات الضخمة” – مما أدّى إلى ابتكار تقنيّات حيوية، خاصة في مجال الطبّ والرعاية الصحية.  كما ساهم في ظهورها تضافر عوامل أساسية ثلاثة، وهي: أولًا، تبادل مستخدمي الإنترنت لكميات طائلة من البيانات ذات صلة بموضوعات ومجالات متشعبة؛ وثانيًا، تنامي قدرات مراكز البيانات على تخزين أحجام متزايدة منها؛ وثالثًا، توافر حوسبة سحابية فعالة يمكنها معالجة تريليونات العمليات الرقمية في ثوان معدودة. وفي الوقت ذاته، أدّى التدقيق في “البيانات الضخمة” إلى الحصول على معلومات مهنيّة قيّمة واكتشاف أنماط واتجاهات تجارية مستقبلية وخيارات واتجاهات متعددة للعملاء. وهكذا تحوّلت البيانات الضخمة إلى معارف يمكن  استثمارها في كافة المجالات  الحياتية.

و جاء ” السجل الصحي الإلكتروني” الشخصيّ من بين النتائج المباشرة لاستثمار هذه المعارف. فالسجلات الصحيّة الإلكترونية تتميز بكونها فورية وبتصميمها الذي يركز على العناية بالمريض وتوفير بياناته الطبيّة لجميع مقدمي الرعاية الصحيّة مباشرة ودون أي تأخير. وتَحفظ هذه السجلات التاريخ الطبي المفصّل للفرد على مدى سنوات وتحدّثه باستمرار مما يجعلها أداة فعالة لمتابعة المريض وتقييم حالته الصحيّة، كما يمكنها تحليل الآثار الجانبيّة للعلاج واستشراف أي أعراض سلبية محتملة. علاوة على ذلك، يمكن تداول السجلات الصحيّة بين مقدمي الرعاية الصحية على كافة الأجهزة النقالة، مما  ييسّر لهم التشاور فيما بينهم وتشخيص الحالات بدقّة عالية  واقتراح علاج أكثر فعاليّة. وفي حالات الطوارئ، يوفّر اطّلاع رجال الإسعاف على “السجلات الصحية الإلكترونية” فورًا، وقتًا ثمينًا يساعدهم على البدء في علاج المريض في الحال. ومن ناحية أخرى، تؤدي مشاركة تحليل هذه السجلات مع هيئات الصحة العامة، مع ضمان خصوصية المرضى، إلى تمكين هذه السلطات من التنبؤ إلى حد كبير بالأوبئة والاستعداد لمواجهتها بفعاليّة، الأمر الذي يسهم في تعزيز رفاهية المجتمعات.ومن النتائج المباشرة الأخرى للبيانات الضخمة‏، إمكانية دمجها مع تقنيات “تقنية الجزيئات متناهية الصغر” أو ما يُعرف باسم “تقنية النانو”. وقد استفادت الرعاية الصحيّة من هذا التطوّر ومن الانتشار الواسع للأجهزة المتّصلة بالإنترنت، فابتُكرت تطبيقات متخصصة تحوِل الهواتف الذكية إلى أدوات طبيّة. وقد أدّى ذلك إلى الاعتماد بشكل تلقائيٍ على أجهزة ذكيّة يمكن ارتداؤها أو وصلها بالهواتف النقالة لتشخيص وضعنا الصحي على الفور، حتى قبل الاتصال بطبيب متخصص. وتتسم هذه الأجهزة، التي تتزايد فعاليّتها باستمرار، بقدرتها على تعقّب مؤشِراتنا الحيوية وتزويدنا بتشخيص فوريٍ. وهكذا، بدلًا من محاولة شرح الأعراض للطبيب المعالج، يمكننا أن نتبادل معه تشخيصنا الذاتيّ ونتشارك وإياه فعليّا في الوصول الى العلاج المناسب.

إن المعارف المتزايدة والتحكّم الذاتي بصحّة الفرد قد منحت سلطة متزايدة للمرضى، مما يشير إلى تحوُل جذريٍ في العلاقة التقليدية بين المريض وطبيبه المعالج محوّلًا إياها إلى شراكة حقيقية.

أعلنت إحدى الشركات الفرنسية-السويسرية مؤخرًا عن قرب طرحها في الأسواق حقنة متّصلة بالإنترنت تهدف إلى تسهيل حياة مرضى داء السكري. ومن خصائص هذه الحقنة أنّها تنفرد بتطبيق خاص بها على الهواتف الذكيّة. وسوف يكون باستطاعتها قياس مستوى السكّر في الدّم عن طريق وخزة صغيرة للغاية ومن ثمّ حقن المريض بجرعات الأنسولين. فضلًا عن هذا، يقوم التطبيق بإعادة تقييم برنامج العلاج وملائمته لوضع المريض، كما يعمل على جمع البيانات ومشاركتها مع أفراد الأسرة، مما يُشكِل خيارًا مثاليًّا لمراقبة صحة المرضى المسنّين أو الصغار منهم. كما أنّه من الممكن إرسال هذه البيانات تلقائيًا إلى الطبيب المعالج لتجنّب القيام بزيارات غير ضرورية لعيادته أو إزالة أي شكوك.

ومن ضمن الابتكارات الأخرى لعلاج داء السكّري ومضاعفاته، هناك العدسات اللاصقة للعين التي سيتمّ تجهيزها بمجسّات متناهية الصغر يمكنها باستمرار تتبُع مستويات السكّر في الدم أو ضغط العين للمساعدة في التعامل مع داء المياه الزرقاء (الجلوكوما).

ومع استمرار تطوير التقنيات، يعمل الأخصائيون على تزويد الملابس بأجهزة استشعار قادرة على كشف أية مؤشرات حيويّة سلبيّة. كما أنه تُجرى دراسات على أحذية متّصلة باستطاعتها استشعار أعراض الشلل الرعاش عند كبار السنّ.

طبوفي المستشفيات، تجرى دراسات على مجسّات لها شكل حبوب دواء يبتلعها المريض، وهي قادرة على التقاط صور ثلاثية الأبعاد للجسم من الداخل، مما يُتيح للمشرفين صورًا بغاية الدقّة. كما وإنّ الاعتماد المتزايد على الجراحة الآلية المساعدة يسمح للجرّاحين بإجراء عمليات جراحية موضعية من شأنها التقليل من فترة النقاهة.

إن الطبّ والرعاية الصحية حقلان لتجارب واسعة ومفتوحة لجميع التقنيات المبتكرة. وهذا يحتّم على كافة الجهات المعنية تطوير إمكانياتهم ورؤاهم لمواكبة التحدّيات التي سيضعها العالم الرقمي أمام أجيالنا القادمة

Post By رضوى محمد همام (38 Posts)

Connect

تعليقك