المحتوى العربي الرقمي … آمال وتحديات

كتبها · 21 August, 2014

shutterstock_146557412 (Custom)  عاشت العرب زمنا طويلا منذ القدم عزّا وفخرا، حضارة وثقافة، لغةً وفصاحة، وكانت من بين الأمم الأكثر تأليفا ورواية وكتابة وقراءة وعلما، حتى أصبحت بغداد في عصر من العصور منارة للعالم، ومأرزا للكتّاب والعلماء والمثقفين والفلاسفة، حينها كان العرب أشد ارتباطا بلغتهم، وكانت العربية تلقى اهتماما بالغا وعناية من قِبل المجتمع، حتى برز في عصر ما قبل التكنولوجيا مدونين عرب أثروا الحالة الثقافية والحياة العامة كالجاحظ وابن النديم وغيرهم، والناظر في إرثنا العربي اللغوي يُدرك أن اللغة العربية غنية بمفرداتها، قابلة للتطور والتجديد من حيث تعريب العلوم وتدوينها، إنها ليست لغة منقوصة أو معيبة، إنها اللغة التي لا ينضب معينها، ولا ينتهي مخزونها، أم اللغات في البلاغة ونفوذ اللفظ وقوة التعبير، وهي لسان العرب وفخرهم، والجامعة لمختلف أفكارهم .

 ومع بزوغ فجر الإنترنت والشبكة العنكبوتية وكثرة استخدامها وتعايش المجتمعات العربية معها برز ما يسمى “المحتوى العربي الرقمي على الإنترنت” وهو “مجموع مواقع وصفحات الويب التي كُتبت باللغة العربية أو الفيديوهات أو الموسيقى أو الكتب أو غيرها على الإنترنت”، وبالرغم من ازدياد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي إلاّ أن إحصائيات المحتوى الرقمي العربي تبدو دون المأمول والمتوقع، إذ أن عدد المتحدثين بالعربية حول العالم 359 مليون، منهم 90 مليون مستخدم في الشرق الأوسط، غير أن نسبة المحتوى العربي لا تتجاوز 3 % بحسب تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، وما زالت العربية تراوح مكانها في المركز السابع بين اللغات العالمية في كمية المحتوى الإلكتروني متأخرة عن لغات مغمورة عدد المتحدثين بها أقل عددا وانتشارا مقارنة بالعربية.

إن هذه المعلومات تُبيّن لنا قلة المحتوى العربي على الإنترنت، وتكشف لنا الفجوة الكبيرة بين عدد المستخدمين الذين يتحدثون العربية وحجم المحتوى العربي الحالي، وتزداد صدمتك إذا ما علمت أن الجزء الأكبر من المحتوى العربي مجرد ترجمة لمحتويات من لغات أخرى وهو محتوى ثقافي، كما يعيبه الصفحات الكثيرة المكررة والمنسوخة حرفيا، مع ما يعتري ذلك من أخطاء لغوية فادحة.

نعم، هناك مبادرات طموحة تُبذل سواءً من أفراد او حكومات لإثراء المحتوى العربي الإلكتروني على الإنترنت، وهنالك ميزانيات تُصرف من أجل تطوير المحتوى العربي ولكن هناك إشكاليات يجب النظر إليها باهتمام ومعالجتها، أبرزها ضعف التفاعل من قِبل المستخدمين، وطغيان النصوص المكتوبة على غيرها من أنواع المحتوى المرئية والسمعية خاصة أن المستخدمين أكثر تفاعلا مع الصور ومقاطع الفيديو، كما أن التحدي الذي سيبقى قائما هو كيفية إنتاج محتوى عربي هادف وجاذب للمستخدمين.

shutterstock_97656881 [Converted] (Custom)إن مسؤولية إثراء المحتوى العربي تقع على عاتق كل مستخدم عربي للإنترنت، وعلى كل مؤسسة خاصة أو حكومية من خلال تدعيم التدوين، ونشر المحتوى الذي يُمكن الاعتماد عليه، فارتباطنا بالإنترنت أصبح وثيقا، وهو شريان أساسي في حياتنا اليومية، والكثير منا يستخدم الانترنت كمصدر لاستقاء المعلومات، فمع محتوى عربي ضئيل قد تنشأ مخاطر بشأن مصداقية المعلومات، وقد يؤدي إلى عزوف المستخدمين عن البحث بالعربية إلى البحث بلغات أخرى أغنى محتوى يجدون فيها غاياتهم وتُلبّي احتياجاتهم، ما سيكون له بالغ الاثر على المستخدم ومحيطه والأجيال القادمة إذا لم يتم العمل على تدعيم وتطوير المحتوى العربي الذي يعكس الحضارة والثقافة والتراث العربي ويحافظ على هويته، ويُقدّم المعلومة الصحيحة الأصلية الأصيلة .

إنني اتمنى على الشباب العربي المبدع الكتابة والنشر باللغة العربية ؛ ذلك أن استخدام لغات أخرى في الكتابة والمحادثات والنشر لن يساعد على انتشار المحتوى العربي،

علينا أن ندرك أن المساهمة الفعّالة في إثراء المحتوى العربي سيخلق أمة متطورة ومتقدمة، إذ أن تقدم الأمم مرتبط بتحولّها إلى مجتمعات معرفية

 تأملوا! لقد كان لضعف المحتوى العربي الإلكتروني على الإنترنت آثار سلبية متعددة منها ضعف الاستفادة من الانترنت في تطوير التعليم والاقتصاد في العالم العربي، كما حال دون مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، لاسيما شبكة الإنترنت التي أصبحت أساسا لدعم عملية البناء والتنمية الاقتصادية إذ تعتبر المستودع الكبير للمعرفة.

مبادرات لإثراء المحتوى العربي

لقد كان من بين المبادرات التي أثرت المحتوى العربي الرقمي وساهمت بشكل فاعل في خلق محتوى إلكتروني هادف مبادرة “تغريدات”، وهي مبادرة لدعم المحتوى العربي الرقمي بكافة أشكاله وصوره من خلال بناء مجتمع من المتطوعين لإثراء المحتوى، وتتمتع مبادرة “تغريدات” بمجموعة كبيرة من جمهور المتابعين على حسابها الرسمي على موقع تويتر، إذ وصل عدد متابعيها حول العالم إلى أكثر من 100 ألف متابع، وتسعى تلك المبادرة إلى تبني مشاريع فعلية لإثراء المحتوى العربي الرقمي وقد كان أولها مشروع تعريب تويتر ثم تلتها مشاريع أخرى، وقد نجحت هذه المبادرة غير الربحية في استقطاب حوالي 2500 متطوع عربي يقطنون في 31 دولة حول العالم ولا يتقاضى أيّ منهم أيّ مقابل مالي جرّاء إسهاماته في الترجمة والتعريب ضمن مشاريع المبادرة.

الجدير بالذكر أن قطر خطت خطوات متقدمة لتعزيز المحتوى العربي الرقمي على الإنترنت، حيث ساهم مركز حاضنات الأعمال الرقمية بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في دعم مشاريع رقمية واعدة لإثراء المحتوى العربي الإلكتروني.

  تأمل وتذكّر… إن كل كلمة وصورة ومقطع فيديو تقوم بنشره لإثراء المحتوى العربي الإلكتروني هو لَبِنة أولى، ستظل على مر الأزمان يستفيد منها الأجيال القادمة، إنك ستبني الانسان العربي، وستساهم بشكل أساسي في تنمية المجتمعات العربية.

Post By حزام الحميد (38 Posts)

Connect

التعليقات2 Comments

  1. شكرا اخي العزيز على مساهمتك
    المحتوى العربي من خلال خبرتي يوجد العديد من المشاريع الناشئة لاثراء المحتوى العربي ولكن ما ينقص هنا الدعم الحكومي او المؤسسي لهذه المشاريع وهذا ما يحدث في الدولة المتقدمة كمثال جميع الدول العربي كحكومات لا تدعم رسميا المصادر المفتوحة كاستراتيجية تطوير وتعتمد على الشركات اﻷحتكارية التي نبذتها الدول المتقدمة عوضا انا المستثمرين اساسا لا يستثمرون في قطاع التكنولوجيا ,قمت انا وفريق باخذ زمامة المبادرة لاطلاق مشروع نظام اتمتة للعربية يهدف لخلق فرص عمل وسوق برمجيات ضخم وهو معتمد اساسا على المصادر المفتوحة في بنيته التطويرة ارجوا بكل صدق ان تنتبه الحكومات العربية بجدية اكبر لتكنولوجيا المصادر المفتوحة ناهيك عن التوفير في ميزانيتها التقنية السنوية ايضا فهي تخلق فكرة مشاركة المعرفة وتبادل المعلومات بين الاشخاص العلم ليس حكرا على احد ومن هنا تنمو الدولة وترتقي

تعليقك