حساباتنا الإلكترونية هل ترحل معنا؟ أم تنتقل لورثتنا ؟

كتبها · 13 April, 2014

أتساءل كثيرا عما يمكن أن يعنيه لنا الاحتفاظ بصناديق قديمة لأشخاص نحبهم رحلوا عن عالمنا للأبد؟ لماذا يحرص الكثيرون منا على البحث عن رسائلهم، صورهم، بعض كتاباتهم، وأحيانا خربشتهم وقصاصاتهم الورقية؟ هل نعتبر ذكريات الراحلين إرثا يجدر بنا الاحتفاظ به؟ ربما تعلقا بالذكريات وربما بحثا عن الأسرار! هل تعد تلك الصناديق إرثا كما الأموال والعقارات والممتلكات الأخرى للمتوفى الذي يورث كل ما يملك؛ حتى ديونه؟

 ساد تاريخيا في بعض البلدان مثل إنجلترا واليابان واسبانيا في فترة ما قبل الثورة الصناعية توريث الابن الأكبر فقط دون بقية الأخوة بينما سمحت فرنسا في تلك الفترة بحرية الوصية في الميراث ومع تغير الأحوال وتطورها بقي بمقدور كل منا أن يعرف أين ستذهب أمواله، ومقتنياته الثمينة، وأملاكه وعقاراته وملابسه وحتى أوراقه بعد وفاته …. ولكن ماذا عن أملاكنا السابحة في الفضاء الالكتروني…اين يمكن ان تذهب بعد رحيلنا …. ألم تسال نفسك يوما من سيرث حسابك الإلكتروني على فيس بوك أو تويتر؟ وأسرارك التي أودعتها في صناديق بريدك الإلكتروني؟ وصورك التي صممتها وأبدعتها لتحتفظ بها في صندوق مغلق بكلمة سر على الانستجرام؟ تفاصيل حياتك الخاصة، آرائك السياسية، مشاكلك في العمل وتلك الحوارات التي شاركتها مع أحد المقربين عبر برنامج دردشة؟

كل هذه التساؤلات وأكثر كانت وراء لجوء أسرة أمريكية إلى رفع دعوى قضائية على شركة “ياهو” للحصول على كلمة السر الخاصة بحساب البريد الإلكتروني الذي كان ملكا لابنها المتوفي كجزء من ممتلكاته وذكرياته التي شرعت الأسرة في جمعها بعد وفاته فما كان من شركة ياهو إلا أن رفضت وعللت رفضها أنها تعهدت بحفظ كل أسرار مشتركيها وأنها تقوم بغلق حساب أي مشترك بعد وفاته مالم يتم الاتفاق على غير ذلك .

ولما كانت تلك القضية الأولى من نوعها ،في وقتها ،استغرقت الدعوى وقتا كثيرا للمداولة قبل الوصول إلى حكم بأحقية الأسرة في الحصول على رسائل البريد الإلكتروني الخاص بابنها ، وقامت الشركة بإرسال الرسائل على اسطوانة وليس كلمة السر لأن البريد تم الغاؤه ،و قد أكد هذا الحكم على أن رسائل البريد الإلكتروني تعد إرثا  إلكترونيا وجزئا من الممتلكات التي يجب ردها لأسرة الشخص بعد وفاته .

2ولم تكن قضية الأسرة الامريكية مع ياهو الأخيرة من هذا النوع وإنما ظهرت على الساحة قضية مشابهة طرحتها شركة ِABCnews    عن شاب وجدت أسرته في البحث وراء حساباته ورسائله الإلكترونية أملا في كشف سر انتحاره في ظروف غامضة ومع محاولات القرصنة الغير محترفة التي قامت بها الأسرة، وجدت نفسها مضطرة للتقدم بطلب رسمي لإدارات المواقع الالكترونية التي اشترك فيها ابنهم  معللة ذلك بأن افشاء كلمات السر هنا أمر ضروري لخدمة تحقيقات الشرطة ؛ ولكن طول فترة المداولة دفع الاسرة للاستسلام وترك العالم السري لابنها مغلقا سابحا في الفضاء للأبد.

 وتساءلت كثيرا عن مدى أهمية استرجاع الحسابات الالكترونية للأفراد بعد موتهم وكنت أراه غير ذي أهمية …ولكن تغير رأيي بعد تفكير أكثر تدقيقا وتحليلا للحياة التي نعيشها وكيف أصبحت تفاصيلها رقمية، أسرارنا، ذكرياتنا، صورنا ،حسابات البنك، المواعيد الهامة، تذاكر السفر، نتائج الامتحانات بل والامتحانات نفسها أحيانا، ابداعاتنا الفنية والأدبية والفكرية، هواياتنا، مكتبتنا …ماذا أيضا ؟؟ أكاد أجزم أن كل ما نملك أصبح حاليا موثق ومكنوز في صناديق رقمية تسبح في الفضاء الالكتروني لن يفتحها غيرنا أو من نوصي له بها بعد موتنا.

وقد قرأت في إحدى المجلات أن لقاء عقد مع 16 من مستخدمي فيس بوك عن تجاربهم بعد فقد صديق من قوائم الأصدقاء على الموقع وقدموا مقترحاتهم بشأن الاحتفاظ بالحائط الخاص بالمتوفي للاطلاع ومشاركة المشاعر والأحزان بين رفقائه مما يخفف من أحزانهم، وأعجبتني تلك الفكرة من جانب إلا أنني وجدتها تجدد الشجون في بعض الأحيان.

1وعلمت كذلك خلال اطلاعي في بعض تطورات قضايا الإرث الرقمي أن بعض الأنظمة القانونية في العالم تقوم حاليا بدراسة وضع قوانين وتشريعات جديدة لتنظيم وتحديد ملكية المتوفى الإليكترونية ، إذا ما كانت ستبقى ملكا للشركة أذا لم يحدد صاحبها شخصا تعود اليه هذه الممتلكات بعد وفاته .

ويعمل القائمون على وضع تلك التشريعات على جمع أكبر قدر من التوصيات والمقترحات من الباحثين والخبراء  في الحقول ذات الصلة بقضية الميراث الرقمي ،وقد تباينت مقترحاتهم حول الآلية التي تدار بها عملية انتقال الملكية للورثة بعد الوفاة ، ولكنهم جميعا اتفقوا على أن الحسابات الالكترونية للمتوفي هي جزء من ممتلكاته الخاصة التي يملك وحده حق تحديد من يرثها بعد رحيله .

رأى البعض أن إنشاء وثيقة سرية تحتوي على قاعدة بيانات آمنة  لكلمات السر وأسماء الحسابات الرقمية والمدونات والمواقع التي يمتلكها الشخص مشتملة على وصية بكيفية التعامل معها بعد وفاته وتركها في البنك مثلا أو أي مكان مأمون آخر هو الخيار الأفضل من وجهة نظرهم.

وقد حملتني متابعتي لقضايا الإرث الرقمي على أن أبحث في إعدادات بعض المواقع وقراءة نصوصها القانونية بتمعن وأدهشني بعض ما عرفت؛ فموقع جوجل مثلا ، أنشأ خدمة جديدة أطلق عليها “google death” أي “جوجل ما بعد الموت ” تسمح لصاحب الحساب تحديد صاحب الحق في تنشيط حسابه والاطلاع عليه واستخدامه في حال توقف عن استخدامه لأي سبب بما في ذلك الوفاة ويحق له تحديد المدة التي يتعين على جوجل انتظارها قبل أن يرسل اول رسالة تصريح للشخص المخول باستخدام بيانات حساباته على جوجل كما توفر لك هذه الخدمة إمكانية عدم التصريح لأي شخص بالاطلاع على حساباتك بعد وفاتك.

3أما موقع فيس بوك فيقول في سياسته للخصوصية على الانترنت: “نقدم لأفراد العائلة أيضا خيار ازالة حساب قريبهم المتوفى…. وفي مثل هذه الحالات النادرة، حيث تطلب العائلة الوصول الى محتويات حسابات قريبهم، نتجاوب مع ذلك بطريقة تراعي حساسيات خسارتهم وتتوافق مع القانون، الذي يحد من قدرة الشركة المزودة للخدمة الكشف عن البيانات لطرف ثالث”

مع كل ما يحدث من تطور متسارع في عالم التكنولوجيا واتصاله الوثيق بجوانب حياتنا المختلفة تركت لعقلي العنان ؛ فتصورت أن تلك التغيرات قد تعيد رسم خارطة علاقاتنا بمن نحبهم …تصورت مثلا أن رجلا أوصى بنقل حساباته السرية إلى والدته بدلا من زوجته !! وهو ما يعد منطقيا ومبررا إلى حد ما، فالقليلون فقط يرغبون في اطلاع زوجاتهم على بريدهم الإليكتروني هل يغير ذلك من مشاعرالزوجة بعد رحيله ؟

أو أن شخصا خص أحد أبناؤه دون الآخر بتلك الحسابات؟

وتحدثت كذلك مع بعض الأصدقاء الذين شغلتهم الفكرة وربما أثارت قلقهم إلى الحد الذي دفعهم لاتخاذ قرار بتفريغ محتويات صناديقهم الاليكترونية أولا بأول ، فمجرد فكرة اطلاع أيا كان عليها أزعجهم بشدة حتى إن كان ذلك بعد الوفاة ، وقد أقنعني تبريرهم ذلك بأنها مساحة من الحرية الشخصية ولحظات من الصدق -واللا صدق أحيانا – التي يعيشها الانسان مع عالمه الرقمي عبر نافذة افتراضية يتحكم وحده في مواعيد فتحها وإغلاقها وطبيعة الأشخاص الذين يسمح لهم للالتقاء به من خلالها .

كانت تلك افكاري وأفكار بعض من أعرفهم عن قضية الإرث الرقمي، شاركونا آرائكم حول هذا الموضوع هل تعتقدون قراءنا الأعزاء أن حساباتنا الرقمية هي أسرار يتوجب أن نحملها معنا  ولا يحق لأحد الاطلاع عليهابعد رحيلنا أم أن الضرورة قد تقتضي أحيانا أن نجد من نأتمنه على مفاتيحها ونتركها له ؟

وفي جميع الأحوال فإنه يمكننا القول أن مساحة الأحزان التي يتركها رحيل أشخاص نحبهم ونتواصل معهم، قد تصغر وتضيق بما قد يتركوه لنا من ذكريات راسخة في مخيلتنا وفي البومات صورهم عن حياتنا معهم أو تلك التي ضمنوها حساباتهم الرقمية على الانترنت …فهل فكرتم بما تنوون فعله تجاه تلك الممتلكات، أطال الله أعماركم وأعمار أحبائكم؟

Post By رضوى محمد همام (38 Posts)

Connect

التعليقات5 Comments

  1. gameela says:

    موضوع جميل.. يستحق القراءه

  2. ساره says:

    Love it

  3. نهى اسامه says:

    موضوع جميل جدا يدعونا للتفكير فيما ننشر على مواقع التواصل لعل الانسان يموت ويحيا عمله بكلمه طيبه ولعله يحمل اثقالا بعد وفاته بسبب ضعطه شير ضغطها يوما ما ولم يلقى لها بال

  4. أهلة صالح says:

    جزاك الله خيراً أستاذتنا فالأمر جداً خطير خاصة في هذا الزمان الذي يكثر فية موت الشباب وهم أكثر فئة تستخدم مواقع التواصل الإجتماعي وهناك بالفعل من هؤلاء الشباب من كنت أتابعهم وأتابع تغريداتهم حتي قبل وفاتهم بلحظات قليلة وبعد أن أعلم بالخبر صدقيني أفتح صفحاتهم وأتسأل هل لوخطر ببالهم أنهم في آخر لحظات حياتهم لكتبو هذا الكلام !!!!؟
    اللهم إجعل لنا لسان صدق في الآخرين وإجعلنا من ورثة جنة النعيم

  5. رضوى محمد همام says:

    أقدر مشاركتكم وتعليقاتكم جميعا وأسعد بمتابعتكم للموضوعات القادمة

الرد على نهى اسامه

إلغاء الرد