نعم…تؤثر التكنولوجيا في حياتنا

كتبها · 8 August, 2012

يختلف عالم اليوم اختلافًا جذريًا عن عالم الأمس…بل يمكنك القول إن كل ساعةٍ تختلف عن الساعة التي سبقتها، فالأمر لم يعد يحسب بالشهور والسنوات، بل يحسب بالدقائق والثواني في عالمٍ يلهث وراء التكنولوجيا واختراع كل ما هو جديد. تنسج التكنولوجيا خيوطها في كل جزءٍ من أجزاء حياتنا، وتتوغل في كل شبرٍ من كياننا لتصنع أجيالًا جديدة، وعقولاً جديدة قد لا تمت لسابقيها بشيء…سوى أنهم الأجداد، ونحن الأحفاد.
انظر حولك…ستجد التكنولوجيا تملأ الأركان…وملء السمع والبصر…نملكها أو تملكنا…لا ندري…نعرف ما نريد منها أو ترغمنا هي على فعل ما تريده منا…لسنا متأكدين…هل نستطيع الاستغناء عنها؟ سؤال يبدو محرجًا للكثيرين الذين طالما يتحدثون عن الصراع الداخلي بين الماضي والحاضر حين يقارنون الطائرة بالحمامة…حنينهم للماضي بهدوئه وسكينته أم انبهارهم بالحاضر بسرعته وسهولته…لا يعرفون هل ينتصرون من ماضيهم لحاضرهم، أم ينتصرون من حاضرهم لماضيهم.

لم نعد ننبهر بأخبار التكنولوجيا التي تطل برأسها علينا كل يوم كما اعتدنا أن ننبهر بها في سنواتٍ سابقةٍ. لم نعد نطلق على جهاز الكمبيوتر “العفريت”؛ حيث بات البعض منا يجلس أمام شاشة الكمبيوتر أكثر مما يجلس مع زوجته…وربما تفكر بعض شركات العطور النسائية يومًا ما في صناعة عطرٍ برائحة الكمبيوتر لكي تضمن الزوجات علاقاتٍ متينةٍ مع أزواجهن!
وأنا أضمن لها أرباحًا خيالية!

أصبحنا نتعامل مع التكنولوجيا بكل أريحيةٍ، ونأخذ الجديد منها دون تفكير…وكـأنها فرضٌ علينا! فتكنولوجيا الرقائق الإلكترونية  Microchips لم تعد تترك لأيٍ منا فرصةً للتفكير في أي شيءٍ…فقط خذها ولا تسل! وعلماء الرقائق الإلكترونية لا ينامون، ولا يهدؤون، يلهثون وراء اختراع كل جديد، وجديد كل اختراع، ويتهافتون للفوز بالسبق التكنولوجي، ويتهافت على تهافتهم المستهلكون، ولا يشبعون…يرون العالم كقريةٍ صغيرةٍ يتصرفون في تغيير ملامحه كيفما يشاءون…مثلما يرى الفأر العالم كقطعة جبن، وكما ترى النملة العالم كحبة سكر!

ثورةٌ تكنولوجيةٌ هائلة في حياتنا وأعمالنا…ولو بعث أجدادنا من قبورهم، ما فقهوا أي شيءٍ مما نحن عليه الآن. لقد صار عالمنا بالنسبة إليهم شيئًا أشبه بكوكب المريخ…وصرنا نحن “مريخيون” في أعينهم.
تفرض التكنولوجيا نفسها علينا فرضًا، وصارت أخبارها جزءًا مهمًا من حياة الكثيرين منا لكي يضمنوا تطورهم على المستويين الشخصي والمهني. فالعزلة عن هذا العالم لم تعد حلاً…والمنطوون على أنفسهم أو على ماضييهم ليس لهم مكان…فإما أن تكون جزءًا من هذا العالم شئت أم أبيت، بحلوه ومره، أو لتبحث لنفسك عن مكانٍ آخرٍ…إنها القسوة الناعمة أو العلم الشرير…ببريقٍ جذابٍ يخطف الألباب، ولكن بثمنٍ غالٍ.
قد يدعي البعض أن شريحةً ضيقةً من كل مجتمعٍ تكون معنيةً بالتكنولوجيا وأخبارها وعالمها وليس كل المجتمع، إلا أن الواقع يثبت غير ذلك تمامًا…فكل فردٍ في المجتمع يبدو أن عليه الاحتكاك بالتكنولوجيا، أو متابعة أخبارها، أو التعاطي معها بشكلٍ أو بآخر، قل أو كثر…نصيبًا مفروضًا.

فالتكنولوجيا وأخبارها صارت مهمة للجميع…فدخول تكنولوجيا التلفزيون الرقميDigital  – على سبيل المثال – سوف يؤثر على حياة الكثيرين منا. ولكن – قبل ذلك – فإن الأخبار التي ستبلغ الناس عن بدء توقف الإشارات الخاصة بأجهزة التلفزيون التماثليةAnalogue  ستكون مهمةً جدًا لإبلاغ رجل الشارع البسيط “الغير تكنولوجي” أن بث تلفزيونه التماثلي سيتوقف بدايةً من اليوم كذا وكذا، في الساعة كذا وكذا، حتى لا يتوقف البث فجأة فيظن أن تليفزيونه قد أصيب بسكتةٍ دماغيةٍ أو توفاه الله. هكذا تسير الأمور. وبنفس المنطق، فإن الأخبار التكنولوجية التي تهتم بزيادة الوعي عن أمان وراحة سياراتنا مهمة جدًا لكل أحدٍ يقود سيارة، وليس لطائفةٍ بعينها.

نتلق الأخبار عن التطورات التكنولوجية ببعض الدهشة التي ما تلبث أن تزول بعد لحظات لأن عقولنا – على ما يبدو – قد اعتادت على سماع مثل هذه الأخبار، والمخ صار مؤهلاً لتلقي المزيد، فالجيل كله أصبح “ديجيتالي” الطبع. فلم يعد غريبًا أن تعلن شركة أبل إن مستخدمي تليفونها الجديد iPhone 5 في اليابان سوف يعرفون بموعد وقوع الزلازل قبلها ببضع دقائق لكي يتخذوا الإجراءات اللازمة، أو أن الأطباء في كلية حقوق بروكلين في نيويورك يطورون عقارًا قادرًا على تطهير الدماغ من الذكريات السيئة، أو أن شركة “آي بـي إم” قد نجحت في ابتكار شريحةٍ تحاكي الدماغ البشري، أو أن “فسيبوك” ساعد المئات على العثور على ذويهم المفقودين لسنوات، وساعد على انفصال أو طلاق الآلاف من الأزواج بسبب الغيرة أو الأصدقاء أو اهمال أحد الطرفين للأطفال والمسؤوليات الأسرية أو بسبب أن أحدهم وجد “حبه القديم” على الموقع، أو أن أكثر من 50% من البالغين الأمريكيين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، أو أن من بين كل أربع زيجات تمت في عام 2008 في الولايات المتحدة كانت هناك زيجة واحدة على الأقل تقف وراءها مواقع التواصل الاجتماعي بشكلٍ أو بآخرٍ، أو أن “أمازون” أطلقت خدمةً جديدةً لشراء الكتب المستعملة عبر الإنترنت، أو أن عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يعادل تقريبًا تعداد سكان استراليا تسعة عشر مرة، أو أن الأطباء يعرفون جنس الجنين في الأشهر الأولى من الحمل ويغيرونه إن أراد الوالدان ذلك، أو أن باراك أوباما قد نجح في جمع حوالي 55 مليون دولار لحملته الانتخابية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أو أن كل ساعةٍ تقضيها أمام شاشة التليفزيون تقصر عمرك بمعدل 22 دقيقة بحسب دراسةٍ استرالية، أو أن شركة هولندية أطلقت أول فرشاة أسنان تعمل بـ “USB يو إس بـي”، أو أن شركة ألمانية سوف تطرح في خريف 2012 أول آلة لتجفيف الملابس تعمل بالطاقة الشمسية، أو أن بعض المطاعم الأمريكية والأوروبية زودت طاولاتها بشاشات Touch يمكن للضيف أن يطلب ما يريد أو يدفع الفاتورة من خلالها، أو أنه في الوقت الذي تقرأ أنت هذه السطور هناك شيءٌ جديدٌ يبتكر، أو توضع خطوطه العريضة، أو يصنع، أو جاري شحنه بالفعل إلى بلادنا ليطرح في الأسواق غدًا أو بعد غد…أو أن هيئة الإذاعة البريطانية اضطرت إلى الغاء برنامجها الشهير “Tomorrow’s World” الذي ظل يتحدث لمدة 38 عامًا عن التطورات العلمية والتكنولوجية وكيف ستغير شكل الحياة في المستقبل…بعد أن لاحظت عدم اكتراث الجمهور به؛ إذ لم يكن أحد يهتم بأخبار التكنولوجيا، أو يتخيل أن أخبار التكنولوجيا والعلوم لا تقل أهمية عن الأخبار السياسية والاقتصادية والشؤون الدولية.

لم يعد الأمر اختياريًا…ولا يتصور أن يتم تجاهل الأخبار التكنولوجية من قبل أية جريدةٍ أو مجلةٍ يوميةٍ أو أسبوعيةٍ أو شهريةٍ أو أية وكالة إعلامية مقروءة أو مسموعة…فالتكنولوجيا تفرض نفسها على كل شيء، التكنولوجيا أولا وأخيرًا، تتوغل في كل شيء، وتهيمن على كل شيء، وتدخل في كل مجالٍ وصناعة.

نعيش عصر الكمبيوتر…لا شك في ذلك، ولا أحد ينكر ذلك…نبدأ يومنا بالتكنولوجيا، وننهيه بها…باتت هذه حقيقة، وإنكارها سيبدو كإنكار دوران الأرض حول الشمس، أو إنكار أن مخترع الديناميت ندم ندمًا شديدًا على اختراعه، أو أن الفيلسوف اليوناني “ديموسنيس” حلق نصف رأسه فقط ليمنع نفسه من الخروج من بيته ويضطر للجلوس والكتابة والتأليف، أو أن بعض شعوب الأرض تعيش كالبكتريا والطفيليات على أرض ومقدرات شعوبٍ أخرى.

يتزايد اعتمادنا على الكمبيوتر بشكلٍ مخيف، ونسمع أخبارًا عن “ادمان” الكمبيوتر والانترنت والأجهزة المحمولة…ظاهرةٌ تواجه الجنس البشري، وستستمر مع استمرار توغل أجهزة الكمبيوتر وتعاظم شأنها ودورها في كل شيء. ولا أستبعد أن يأتي اليوم الذي نخطط لحياتنا وفقًا لما يريده الكمبيوتر.

وخلاصة القول أن إيجابيات التكنولوجيا أكثر من أن تحصى لا شك في ذلك، إلا أن البعض يدعي أن لها سلبيات لكن هذه السلبيات – من وجهة نظري – إنما تأتي بالتأكيد من طريقة استخدامنا لها، ومدى سيطرتنا على أنفسنا…فالتكنولوجيا في حياتنا كالسكين في المطبخ…يمكن أن نستخدمها في الطبخ…أو في القتل.

وللحديث بقية،

Post By Wael Yousef (14 Posts)

Connect

التعليقات2 Comments

  1. أخبار التقنية says:

    مشكور فعلا هي تأثر

  2. Marwa Nasser says:

    جميل جدا!! و مكتوب بطريقه بسيطه و ممتعه! : )عايزيين مقالات اكتر :]

تعليقك